الغزالي

48

إحياء علوم الدين

في مقابلة الملك ، والتوفيق في مقابلة الخذلان . وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( ومن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ) * « 1 » فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة ، إلا الله تعالى فإنه فرد لا مقابل له ، بل هو الواحد الحق ، الخالق للأزواج كلها . فالقلب متجاذب بين الشيطان والملك . وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « في القلب لمّتان لمّة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحقّ فمن وجد ذلك فليعلم أنّه من الله سبحانه وليحمد الله ولمّة من العدوّ إيعاد بالشّرّ وتكذيب بالحقّ ونهى عن الخير فمن وجد ذلك فليستعذ باللَّه من الشّيطان الرّجيم » ثم تلا قوله تعالى * ( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ويَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) * « 2 » الآية وقال الحسن إنما هما همان يجولان في القلب ، هم من الله تعالى ، وهم من العدو ، فرحم الله عبدا وقف عند همه ، فما كان من الله تعالى أمضاه ، وما كان من عدوه جاهده . ولتجاذب القلب بين هذين المسلطين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن » فاللَّه يتعالى عن أن يكون له أصبع مركبة من لحم وعظم ، ودم وعصب ، منقسمة بالأنامل . ولكن روح الإصبع سرعة التقلب ، والقدرة على التحريك والتغيير ، فإنك لا تريد أصبعك لشخصه ، بل لفعله في التقليب والترديد ، كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك والله تعالى يفعل ما يفعل باستسخار الملك والشيطان ، وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ، ولقبول آثار الشيطان ، صلاحا متساويا ليس يترجح أحدهما على الآخر ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى ، والإكباب على الشهوات ، أو الإعراض عنها ومخالفتها . فإن اتبع الإنسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى ، وصار القلب عش الشيطان ومعدنه ، لأن الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه . وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه ، وتشبه بأخلاق

--> « 1 » الذاريات : 49 « 2 » البقرة : 268